تشكل حلقات الإنشاد الديني وموسيقى الطرق الصوفية التي تميز عادة سهرات شهر رمضان المعظم وخاصة منها ليلة النصف من هذا الشهر الكريم وليلة القدر المجيدة خير حافظ للذاكرة الثقافية الفنية باعتبار ثراء المدونة الموسيقية الصوفية التي استلهم منها مؤلفو المالوف والموشحات والازجال العديد من الإيقاعات والمقامات.
ومن هذا المنطلق تمثل الطرق الصوفية قسما بارزا في التراث الموسيقي في تونس وينعت "بمالوف الجد" وهو مصطلح يقابله "مالوف الهزل" بالنسبة للموسيقى اوالغناء الدنيوى وذلك استنادا لما جاء في دراسة كان قد اعدها الاستاذ الموسيقي فتحي زغندة في الغرض تحت عنوان"الانشاد في الطريقة السلامية:قراءة موسيقية".
وقد شهد الانشاد الصوفي في تونس ازدهارا ملحوظا خاصة في القرن الخامس عشر تاريخ انتشار الحركات الصوفية وتعميم مبدا الطرقية حيث برزت التاليف الكثيرة المتعلقة بانواع الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وطرق ذكر المولى وحمده وتسبيحه والتهليل باسمه.
وتعتبر الطريقة الشاذلية حسب المختصين المرجع الاساسي للطرق الصوفية في تونس وهي منسوبة الى ابي الحسن الشاذلي 1196 / 1258م الذى لعب دورا كبيرا في ترسيخ تيار التصوف في بلادنا.
وقد الف 22 حزبا (والحزب مصطلح يطلق على مجموع الادعية التي يكون محورها طلب الرحمة والمغفرة من الله سبحانه وتعالى يتلوها اتباع مؤلفها الذى يكون شيخا من الشيوخ البارزين).
ومن اهم احزاب الشيخ ابي الحسن الشاذلي "حزب البحر" و"حزب الحمد" والتي تتضمن معاني التوسل الى الله والاستغفار والحمد وتتضمن حصص الذكر في الطريقة الشاذلية تلاوة ما تيسر من القران الكريم وقراءة الاحزاب والادعية يتناوب فيها المنشدون ويشتركون في اداء بعض البشارف.
اما حصة الانشاد لدى جماعة السلامية فتتكون من قسم خال من الانشاد ومن الموسيقى ويبدا بتلاوة سورة الفاتحة من القران الكريم وتليها قراءة لاحد احزاب مؤسس الطريقة السلامية في تونس الشيخ عبد السلام الاسمر 1475 / 1573م وخاصة منها حزب "الفلاح" الاكثر تداولا الى جانب قسم يؤدى انشادا مرافقا او غير مرافق بالالات وخاصة منها"البندير".
ويشتمل تراث السلامية على عدد وافر من البحور جمع اغلبها في "سفائن" ومفردها سفينة وهي مخطوطات يحتفظ بها عادة شيوخ الطريقة.
وتشكل البحور القسم الرئيسي لانشاد السلامية وتعتبر الطريقة السلامية من اعرق الطرق في تونس واكثرها اتباعا وانتشارا ويشتمل تراثها على اشعار بالفصحى والدارجة و"احزاب"و"امداح" بعضها من تاليف مؤسسها والبعض الاخر من وضع اتباعه.
وتتعدد في هذا الاطار حلقات الذكر والانشاد والطرق الصوفية والتي افردها اساتذة جامعيون وباحثون تونسيون بدراسات تناولت الجانب التاريخي والفكرى والابداعي في التراث الصوفي وكان ذلك محور عدد خاص من مجلة "الحياة الثقافية".
ونجد من اهم الطرق انتشارا واكثرها عددا من حيث الاتباع الذين يسمونهم "الاحباب" او"احباب الشيخ" الطريقة التيجانية وهي طريقة ذات هدؤ ظهرت مع الولي سيدى احمد التيجاني دفين فاس (1230ه) وعملها عبارة عن استغفار وصلوات على النبي وذكر الله.
وتسمى مجموعة تلك الاذكار والصلوات "الوظيفة" وللطريقة العزوزية طقوس متميزة تجمع بين الموسيقى الصوفية والاندلسية مع استعمال التي الطار والنغرات وهي تنسب الى الولي الصالح سيدى علي عزوز المولود بفاس والمتوفى بزغوان (1705م).
ولهذه الطريقة ثلاث زوايا الاولى بنهج سيدى علي عزوز بالعاصمة والثانية ببنزرت والثالثة بزغوان حيث يوجد ضريح الشيخ.
ومن جهتهم ادخل المنتسبون الى الطريقة الرحمانية الات ايقاعية مثل الطار والنغرات والدفوف والفوا لها مدائح شبيهة بمدائح القادرية وتسمت هذه الطريقة في شمال افريقيا باسم محمد عبد الرحمان القشتولي المتوفى سنة (1794م) ومن اشهر زوايا هذه الطريقة زاوية الشيخ على بوحجر بالكاف .
ومع ظهور طريقة سيدى سعد والسطمبالي في القرن 19م تم التركيز على الالات المعروفة في هذا النمط الموسيقي مثل القمبرى (الة وترية) والطبلة والشقاشق والقراقب كالة ايقاعية ذات جرس موسيقي نحاسي وذلك لاداء الاناشيد والاذكار التي يرددها اتباع ومريدى الولي سيدى سعد الشوشان.
ويتبين مما تقدم ثراء القوالب الموسيقية الصوفية وتنوعها والتي تم جمعها بحرفية متناهية في العرض الفرجوى "الحضرة" لسمير العقربي والفاضل الجزيرى (موسم 1993 / 1994 ) والتي مزجت بين الخاصيات اللفظية والايقاعية لخرجات الطرق الصوفية بتونس
Tunisie Héritage تونس تراث وحضارة